هذا
شهر رمضان الكريم أطل علينا كما يطل علينا وعلى من قبلنا منذ شرعه
الله في السنة الثانية للهجرة.. وهو شهر كريم.. وكرامته تأتي من
روحانيته، ومن ما أعده الله للصائمين فيه، ومن مكانته بين الشهور..
وكان للشهر أسماء كثيرة من أهمها أنه شهر القرآن، وشهر الجهاد.
وشهر رمضان هو التاسع من شهور السنة الهجرية. ويقول معظم اللغويين
ان اسمه مشتق من: (الرمض) وهي كلمة تعني اشتداد الحرارة. وهذا يعني
أن شهر الصوم عُرف أول ما عُرف في شهر من شهور الصيف الحارة. وهنا
تبرز مشكلة أعدها من المشكلات التوفيقية التي انتشرت في الثقافة
العربية قبل الإسلام. فقد عُرف عن العرب أنهم يحتارون دائماً في
مسألة التوفيق بين السنة القمرية والسنة الشمسية. وقد اخترعوا
أشهراً يطلقون عليها أشهر النسيء. وكان المعنيون بهذه الأشهر
يتلاعبون في تحديد بدايتها ونهايتها. وكثيراً ما احترموا مطالب
التجار الذين لهم أموال يجب تحصيلها
شهر
رمضان هو الشهر الوحيد من شهور السنة القمرية مذكوراً في القرآن
الكريم باسمه الصريح. فقد نزلت آية كريمة تتحدث عن الصوم وتشريع
الصوم. ومسألة الصوم، خصوصاً صوم شهر كامل لا زالت قضية تاريخية لم
تحسم من قبل المؤرخين. على أن الصوم كتشريع سماوي لا جدال فيه..
والجدال هو في مدى التوافق بين آية الصوم في القرآن الكريم وما ورد
في الألواح الثانية من شريعة النبي موسى عليه السلام. وكان
المستشرق جوتن F. Goitien قد نشر بحثاً مستفيضاً حول هذه المسألة،
أبان فيها أن ألواح موسى نزلت عليه في يوم عاشوراء (العاشر من شهر
محرم) وهو اليوم الذي يسميه اليهود بيوم الكفارة. ويقول جوتن انه
لا يستبعد أن أصل الصوم في الإسلام إنما بدأ من صيام يوم عاشوراء
على
أن هناك مسألة تاريخية عالقة وهي ما يذكره علماء الأديان السماوية
هو وجود نصوص إسلامية تختص بصيام أيام عشرة بدلاً من يوم عاشوراء
الذي يصومه اليهود. فاستعاضه المسلمون بصيام عشرة أيام بدل يوم
واحد قد يكون البداية الفعلية لصيام شهر كامل أقر أول ما أقر في
شهر صيفي حار، وأطلق عليه اسم رمضان. وهذا التفسير لا يقوم على
ساقه، ذلك أن وقوع صيام عشرة أيام من محرم لا زال صياماً معمولاً
به منذ أن سنّه الرسول عليه الصلاة والسلام. وهو على كل حال من حيث
التوقيت لصيام شهر رمضان، بينما شهر رمضان سابق له من حيث التشريع.
وتبقى مسألة تاريخية عالقة أيضاً وهي مسألة ما ورد في سورة البقرة
من صيام أيام معدودات. فقد ذهب علماء التلمود أن
المقصود
بأيام معدودات هي صيام أيام التوبة العشرة السابقة لصيام يوم
الكفارة. وهو تقليد لا زال باقياً إلى اليوم وهنا من قال ان أيام
الاعتكاف العشرة (اعتكاف العشر الأواخر من رمضان) هو مشابه لصيام
أيام التوبة العشرة عند اليهود وأياً يكن الأمر فمصدر التشريع
الإسلامي واليهودي واحد.. لكن ما غاب عن بال المشتغلين بهذه
المسألة هو أن صيام أيام في محرم لا علاقة له بصيام شهر رمضان.